تقرير/ محمد إبراهيم علي
بينما كان الرئيس الصيني “شي جين بينغ” يضع اللمسات الأخيرة لقمة مايو التاريخية مع نظيره الأمريكي في بكين هذا الأسبوع لاستعادة توازن العلاقات الدولية، انفجر بارود الحرب في الشرق الأوسط ليقلب الأجندة الصينية رأسًا على عقب.
حرب إيران، التي لم يسع إليها العملاق الآسيوي ولم يخطط لها، تحولت فجأة من مجرد اضطراب إقليمي إلى اختبار حاسم يكشف حجم القوة الحقيقية للصين.. ونقاط ضعفها التي لطالما ظلت لسنوات طي الكتمان.
هل تخرج الصين من “مقاعد المتفرجين”؟
يرى محللون، حسب تقرير نشرته مجلة “ذا ديبلومات” مؤخرًا، أن صناع القرار في بكين يصطدمون بصخور واقع جديد منذ بداية الحرب على إيران في 28 فبراير الماضي، بعدما وجدوا أنفسهم أمام خيار استخدام النفوذ الصيني للضغط على طهران وحماية النظام التجاري العالمي الذي تعتمد عليه رفاهيتها، أو الاكتفاء بدور “العملاق الاقتصادي” الذي يراقب من بعيد بينما تحترق سفنه في مياه الخليج؟
والسؤال الذي يطرحه الشارع السياسي في الشرق الأوسط الآن: هل يجرؤ “شي” على القيام بدور “رجل الإطفاء” العالمي – النهج الذي تتبعه بكين لتعزيز نفوذها كقوة عظمى مسؤولة، معتمدة على الدبلوماسية الاقتصادية والمبادرات السلمية وتدشين مؤسسات دولية كالمنظمة الدولية للوساطة، بدلاً من التدخل العسكري المباشر – أم سيكتفي بحماية مخازن نفطه وينتظر سكون العاصفة؟
رغم اتجاه الأنظار نحو القمة الصينية-الأمريكية، التي انطلقت في الخميس 14 مايو، والتكهنات المتعلقة بما قد تسفر عنه هذه القمة – التي كان المفترض انعقادها في مارس الماضي – إلا إنه تم تأجيلها بناءً على رغبة ترامب في البقاء بواشنطن للإشراف على التطورات العسكرية في منطقة مضيق هرمز – كشفت الأزمة الجيوسياسية والعسكرية التي تشهدها منطقة مضيق هرمز عن واقع جديد بعد الصدمة التي تلقتها بكين في مضيق هرمز، وأزمة الثقة مع واشنطن، فضلًا عن إدراكها الفجوة الهائلة بين النفوذ الاقتصادي والقدرة العسكرية لحماية طرق التجارة.

سقوط “الحصانة الدبلوماسية” في مياه الخليج
في الرابع من مايو الجاري، حدث ما كان يخشاه الخبراء الاستراتيجيون في بكين، حيث تعرضت ناقلة نفط صينية لهجوم بالقرب من مضيق هرمز؛ ورغم أن السفينة كانت تحمل عبارة “مالك وطاقم صيني” بخط عريض على متنها – وهي العبارة التي كانت بمثابة “حصانة دبلوماسية” غير رسمية في النزاعات السابقة – إلا أن النيران التي اشتعلت فيها أعلنت رسميًا نهاية عصر “الحياد الآمن”.
وضع هذا الحادث القيادة الصينية في موضع حرج، فقد بدأت الصين، التي لطالما تباهت بكونها القوة التي تتحدث مع الجميع ولا تنحاز لأحد، تدرك الآن أن مصالحها الاقتصادية أصبحت رهينة لصراع لا تملك فيه أدوات الردع العسكري الكافية.
الفجوة بين الطموح والواقع: “التنين الهش”
تكشف الأزمة الحالية عن مفارقة صارخة في بنية القوة الصينية، إذا تُعد الصين أكبر دولة تجارية في العالم، لكنها تفتقر إلى قوة بحرية قادرة على حماية خطوط إمدادها العالمية، بل يعتمد أمن طاقتها وتجارتها على ممرات مائية خارج سيطرتها، وهو ما يجسد المفهوم الذي طرحه الخبراء حول “التنين الهش”: كناية عن الفجوة العميقة بين الانتشار الاقتصادي العالمي والقدرة على تأمين هذا الانتشار.
من حيث نقاط القوة والضعف، تمتلك الصين قرابة 1.4 مليار برميل من النفط (ثلاثة أضعاف احتياطي الولايات المتحدة)، ما يمنحها قدرة على المناورة في الأمد القصير، هذا فضلًا عن توسعها المتسارع في الطاقة النظيفة الذي يقلل من تبعيتها المطلقة للنفط والغاز؛ بينما تتمثل المعضلة الكبرى في تعطل الشحن وارتفاع أسعار النفط اللذين لا يهددان طاقة الصين فحسب، بل يهددان “زبائنها”، فكل دولة تعجز عن شراء النفط ستنخفض مشترياتها من البضائع الصينية، ما يضرب قلب المحرك الاقتصادي لبكين.
دبلوماسية “اللعب على جميع الحبال”
تتبع بكين حاليًا سياسة تتسم بدقة الجراح، فهي من جهة استدعت وزير الخارجية الإيراني إلى بكين في توبيخ دبلوماسي مبطَّن، مطالبة بوقف عاجل لإطلاق النار وحماية الممرات المائية، ومن جهة أخرى، أعلنت تفعيل “قاعدة الحظر” لأول مرة، موجهة شركاتها بتجاهل العقوبات الأمريكية على شراء النفط الإيراني، في تحدٍ مباشر لسلطة واشنطن الاقتصادية.
يعكس هذا التناقض رغبة الرئيس الصيني في إضعاف النفوذ الأمريكي واستنزاف قدرات واشنطن العسكرية، لكنه في الوقت ذاته يخشى من الفوضى الشاملة التي قد تعصف بالنظام التجاري العالمي الذي أسسته واشنطن وتتمرغ الصين في ثرائه.
أزمة الثقة
من ناحية أخرى، تلقي تجربة الاتفاق النووي الإيراني – المعروف رسميًا باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)” – بظلالها الثقيلة على المفاوضات التجارية خلال القمة، فلم تنسَ بكين كيف انسحبت واشنطن من اتفاق دولي بقرار أحادي، الأمر الذي ربما يجعل الرئيس الصيني يتساءل: هل يمكن الوثوق بترامب في أي “صفقة كبرى”؟
وترى مجلة “ذا ديبلومات” أن هذا التاريخ من “انعدام الثقة” ربما يقلص فرص الوصول إلى حلول جذرية للقضايا الهيكلية، مثل ضوابط التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع اقتصار فرص التعاون المتاحة حاليًا على مجرد “صفقات تكتيكية” (مثل واردات فول الصويا الأمريكي إلى الصين، والتعاون للحد من تدفق المواد الأولية والكيميائية المستخدمة في تصنيع مادة “الفنتانيل” المخدرة ومنع وصولها إلى الولايات المتحدة، واتفاقيات مؤقتة بشأن المعادن النادرة)، وهي مسكنات لا تعالج أصل الصراع.
الاختبار الحقيقي الذي تفرضه أزمة إيران لا يتمثل في قدرة الصين على تحمل نقص النفط، بل في مدى استعدادها لاستخدام نفوذها الحقيقي في التأثير على إيران لفرض الاستقرار في المنطقة؛ فهل سيستمر “شي جين بينغ” في دور المراقب الذي يستفيد من انشغال الولايات المتحدة وتورطها في النزاعات، أم سيقرر أن مصلحة الصين كقوة عالمية تتطلب الخروج من “منطقة الراحة” واتخاذ مواقف حاسمة لحماية النظام الذي صنع ثروتها؟ الأسابيع المقبلة ستحمل الإجابة، وما إذا كانت الصين ستتصرف كقوة عظمى أم ستظل مجرد “مصنع عالمي” يخشى انقطاع التيار الكهربائي.
ورقة الطاقة
على النقيض من الرؤية السابقة، يرى محللون، حسب مقال نشره موقع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن بكين تتمتع بموقف أقوى، لاسيما خلال محادثات قمة ترامب وشي هذا الأسبوع؛ ففي الوقت الذي كان يراهن فيه ترامب على تحقيق “الهيمنة الطاقية” كأداة ضغط رئيسية، جاءت الحرب مع إيران لتعيد خلط الأوراق، محولةً “السيادة البترولية” الأمريكية إلى نقطة ضعف أمام النفوذ الكهربائي الصيني.
“الدولة البترولية” في مواجهة “الدولة الكهربائية”
تتمحور سياسة ترامب حول استغلال الطفرة الأمريكية في النفط والغاز كميزة تنافسية سياسية، وهو ما يسمى بـ “الهيمنة الطاقية”؛ في المقابل، تتبنى بكين استراتيجية موازية تعتمد على السيطرة على تكنولوجيا توليد الكهرباء النظيفة.
في حين نجحت واشنطن سابقًا في إبرام صفقات ضخمة لتصدير الغاز المسال إلى أوروبا واليابان مقابل إعفاءات جمركية، إلا أن الحرب ضد إيران قوضت هذه الرؤية، وتكمن المفارقة في أن الإدارة الأمريكية، رغم سعيها لهزيمة الصين تقنيًا، تواصل دعم الفحم والطاقة النووية المتعثرة، بينما تعرقل موارد الطاقة المتجددة التي تطالب بها شركات التكنولوجيا الكبرى لتأمين احتياجاتها من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
أثبت إغلاق مضيق هرمز أن الاعتماد على الوقود المستورد (الغاز والنفط) يظل نقطة ضعف قاتلة، وهنا برزت الصين كالرابح الاستراتيجي الأول؛ فرغم تأثر تجارتها بالحصار، إلا أنها نجحت في بناء مصدات قوية عبر تخزين احتياطيات ضخمة وتنويع مصادر وارداتها؛ والأهم من ذلك، فقد أسهم توجه بكين نحو “الكهربة” الشاملة في الحد من حاجتها للنفط والغاز.
من يملك اليد العليا في المباحثات؟
يتوقع الخبراء أن يطلب ترامب من نظيره الصيني استئناف شراء النفط والغاز الأمريكي، لكنهم يرجحون أن تقدم بكين وعودًا شكلية فقط، فالصين اليوم لا تبيع التكنولوجيا فحسب، بل تقدم نفسها كقائد عالمي للمناخ، مستغلة إنكار ترامب للتغير المناخي وخطابه الصدامي في هذا الشأن.
ومن المفارقات المثيرة للسخرية أن ترامب قد يحتاج لتدخل الصين لتهدئة الأوضاع في مضيق هرمز نظرًا لنفوذ بكين على طهران، وإذا نجح “شي” في لعب دور الوسيط، فسيخرج من القمة بانتصارين: ظهوره بصورة “رجل إطفاء” للأزمات الدولية، والمزود الأول للطاقة في المستقبل.
على طاولة المباحثات
يرى “ديفيد ساكس”، الباحث لدى مجلس العلاقات الخارجية، أن الزعيم الصيني لطالما كان يتطلع إلى زيارة الرئيس الأمريكي لبكين كفرصة للضغط بهدف تغيير السياسة الأمريكية تجاه تايوان، وتعتبر بكين أن موقف ترامب “المتذبذب” وتشكيكه في جدوى الدفاع عن الجزيرة، بالإضافة إلى اتهامه لها بالإضرار بقطاع أشباه الموصلات الأمريكي، يفتح بابًا للمساومة.
يتوقع ساكس أن يطالب “شي” نظيره الأمريكي بتعديلات جوهرية، مثل المعارضة الرسمية لاستقلال تايوان، أو تقليص مبيعات الأسلحة، مقابل تقديم تنازلات اقتصادية تهم ترامب، كشراء بعض السلع الصينية وضمان تدفق المعادن النادرة؛ كما تسعى بكين لعزل الموقف الياباني المتشدد تجاه أمن تايوان عبر التأثير على واشنطن.
من جانبهم، يخشى المسؤولون في تايوان أن تصبح قضيتهم مجرد “بند للمقايضة” على طاولة المفاوضات.
حيث يرى ساكس أن أي تراجع في الدعم الأمريكي ربما يزعزع ثقة تايوان في حليفها، ما قد يؤدي إلى إضعاف جهودها لتعزيز دفاعها الذاتي، الأمر الذي يخدم هدف بكين النهائي في التهام الجزيرة التايوانية.
شبكة إنفراد الإخبارية شبكة إنفراد الإخبارية