الإثنين, 18 أكتوبر , 2021 1:35 م
الرئيسية / مقالات / انا أحب عصفور

انا أحب عصفور

 

عصفور شاب طيب يحب زميلته في العمل، توقعه طيبته في المشاكل دائما، تظهره كشخص فاشل وضعيف، بعكس أمين غير الأمين، الذي يستخدم شره باسم الفهلوه والحذاقة للظهور بمظهر القوي الناجح، إنها شخصيات فيلم “سر طاقية الإخفاء”، الذي كلما شاهدته سألت نفسي، من يحب أن يكون عصفور في الواقع؟ ومن يحب أن يكون أمين؟

رغم طيبة عصفور إلا أنك ستكره أن تكونه، هذا المسكين الضعيف الفاشل، الذي يبطش به الجميع حتى أمين الشرير الذي يهزأ منه أمام الناس، بالمشهد الشهير العلبة دي فيها ايه؟ فيها فيل، يخسر حبيبته ويكيد له المكائد حتى يتحمل جريمة قتل وهو لا يملك أن يرد لأمين الشر بشر مطلقا ولو لمرة واحدة، بل أنه يفضل أن يتمسك بالحقيقة والصدق حتى يدخل بسببهما مستشفى المجانين.

وبالطبع ستتنصل من اختيار أن تكون أمين، المجرم الشرير القاتل الذي أصبح بسبب شره ثريا يتمتع بمختلف ملذات الحياة التي كانت أهمها الراقصة الجميلة، التي لن تكفي طمعه بالتأكيد، فيطمح أن يغزو بثرائه وصورته اللامعة قلب بنت خالته الشابة النقية الناجحة، التي ستكتمل بها وجاهته لا أكثر.

ولكنك في وقع المفاضلة بين الشخصيتين، بينك وبين نفسك، ستعجب بذكاء وشطارة هذا المجرم، وتفضلها على الطيبة التي لم تجلب لصاحبها إلا الخسارة، بل ستحاول أن تتخذ بينهما سبيلًا، فتقول لنفسك، لن أكون طيب وأهبل والكل يهينني، ولن أكون شرير فأقتل وأسرق، في تحايل صارخ لمواجهة حقيقة الشر التي لا تشترط القتل بالمعنى الحرفي الواضح الصارخ، الشر الذي ستحاول نفسك الميل إليه وتقويضه وتحويره لضمان الفوز، الفوز بكل شيء حتى منافع الخير والشر معًا.

إننا نختار أن ننظر لأمين بالرفض التام ولا نختار أبدًا أن ننظر لعصفور بإعجاب، رغم أنه يمثل الحق المطلق والخير الخالص، فإذا كنا نرفض الحق والخير بصورتهم المجردة فإننا إذًا ننحاز إلى أمين بصورة ضمنية خفية غير معلنة، والدليل على ذلك أنك في حياتك الواقعية ستختار في كثير من الأحيان منهج أمين في التعامل مع مشاكلك وغرمائك وغالبًا لن تفكر يومًا في اختيار منهج عصفور، إذًا فاختيارك أن تكون نصف جيد شيء من الإعجاب بالسيء وشيء من الرفض للجيد والصحيح، وبالتالي أنت تخدع نفسك لتجميل الأمر، ولو أنك أخترت التسليم المطلق للجيد والإعجاب به ومعاملته معاملة الحقيقة والأصل، لكنت أقرب دائما للصواب منك الى الخطأ وإن لم تنجح دومًا في تحقيقه، فاعترافك به واستعماله كمبدأ ومنطق سيضعه دائما كاختيار أول أمام عقلك وبالتالي تزيد من فرصه وبالتالي تتضاءل أخطائك.

إن نفوسنا تجيد التحايل على نفسها، لتجميل عيوبها ومساوئها ورغباتها وأطماعها، بل وتحويلها لمميزات وبطولات، وهنا يدخل الشيطان ليساعدك، فالشر يصبح ذكاء ودهاء وقوة وجرأة وشجاعة ورجولة وشطارة وسعة حيلة ومخ يوزن بلد، والخير يصبح خيبة وغباء وضعف وقلة حيلة وفشل ومهانة وقلة قيمة و”طريان”

ولكن بالعودة للكتالوج، ديننا الجميل، فسنجد أن الدنيا دار اختبار وليست دار جزاء وحساب، فكان من المنطقي أن يكون الغلبة فيها للشر، الذي لم يوجده الله عبثا، وإنما ليميز الخبيث من الطيب كما تخبرنا الآية الكريمة “لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ”، وبعد أن يميز الخبيث من الطيب يأتي وقت المكافأة والعقاب، ولكننا نغفل دائما عن تلك الحقيقة، فليست الطيبة والأخلاق ضعفا أو خسارة، وليس الشر والخبث مكسبا مهما بدا كذلك، وفي النهاية تحصى كل صغيرة وكبيرة صدرت أو جالت بنفوسنا بإحصاء دقيق ومتقن، كرصيد من الحسنات ورصيد من السيئات، وأنت لا تدري أيهم ستكون له الغلبة فيحدد مصيرك الأبدي.

فكيف يكون هذا “الطيّب”؟ والإجابة النموذجية في الاقتداء بحبيبنا النبي محمد صلوات ربي وسلامه عليه، تذكر ماذا فعل مع جاره اليهودي عندما توقف عن أذاه، فهل كان النبي ضعيفا؟ وتذكر ماذا قال عندما سمع أبا بكر يرد على من شتمه بعد طول صبره؟ وكيف غضب؟، فهل يدعونا النبي الى الضعف؟ فماذا فعل بمن عايره بموت أبناءه؟ فماذا فعل بقاتل عمه حمزة؟ فماذا فعل بقاذفي زوجته عائشة؟ فماذا فعل بمن أذوه وسبوه وحاولوا قتله بعد أن عاد منتصرا بفتح مكة؟ أو خالد ابن الوليد الذي رد على من سبه فقال “هي صحيفتك أملأها بما شئت”.

فإذا تأملت تلك الأحداث، فستجد التسامح، وكف الأذى، ودرء فكرة الانتقام، بل مقابلة السيئة بالحسنة والإساءة بالإحسان، ومن حكمة الله، أنه أعطانا الاختيار في العفو والتسامح، لعلمه تعالى بثقل الظلم والأذى على النفس، ولكنه لم يعطنا حق الانتقام إلا في حالة القصاص، ولم يعطنا أي حق لأي أذى، أما نحن، فجميعنا يحب أن يجد تلك الخصال من الأخرين، ولا يحب أن توجد في نفسه حتى لا يكون “دعيف”.

ولذلك فليس هناك طريق أوسط بين أمين وعصفور، إما امين وإما عصفور، أيهما تحب ان تكون؟

أنا أفضل وأحب عصفور