الجمعة, 14 مايو , 2021 2:36 ص
الرئيسية / مصر / الطيب:  يجب على الطبيب أن يمد يد المساعدة للفقراء وإلا كان مهملًا في وظيفته

الطيب:  يجب على الطبيب أن يمد يد المساعدة للفقراء وإلا كان مهملًا في وظيفته

كتبت – سارة سعد

حضر اليوم الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، احتفال كلية الطب بجامعة الأزهر بيوبيلها الذهبي، بمناسبة مرور خمسين عامًا على إنشائها، بقاعة الإمام محمد عبده بفرع جامعة الأزهر بالدراسة.

هنأ فضيلة الإمام الأكبر كلية الطب وأساتذتها والعاملين بها على الإنجازات العلمية والخدمات الإنسانية التي تقدمها الكلية للمصريين وغير المصريين وخاصة الفقراء والبسطاء الذين لايملكون ثمن العلاج، مؤكدًا أن الطبيب يجب أن يمد يد المساعدة للفقراء وإلا كان مهملًا  في وظيفته، فلا يكون طبيبًا من لا يحب الناس.

وقدم فضيلته الشكر لأطباء الأزهر على المهارة العلمية الممزوجة بالانسانية والأريحية في معاملة المرضى ورعايتهم في المستشفيات، داعيا الأطباء إلى التعرف على ما يذخر به التراث الإسلامي من قيم في مهنة الطب بدأت تندثر في حياتنا المعاصرة، مشيرًا إلى أن من يقرأ في تراث العرب والمسلمين في الطب يدهش من العناية التي أحاط بها أسلافنا الطبيب وهو مالم يحدث مع المهن والعلوم الأخرى.

وأوضح فضيلته أن الأزهر الشريف يطمح إلى أن تصبح المستشفيات التابعة له نموذجًا يتباهى بها بين مستشفيات المنطقة، مطالبًا أطباء الأزهر جميعاً بأن يتحملوا مسؤولياتهم أمام الله وأمام الضمير وأمام التاريخ لتحقيق هذا الأمل.

وقال أ.د/ إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر، إن الأزهر الشريف يمتاز عن غيره من مؤسسات التعليم بأنه يقوم على دعائم ثلاث، هي علوم المنقول، وعلوم المعقول، وعلوم الدنيا، بمافيها من العلوم التطبيقية، والعلوم الأخرى، مبينًا أنه لم يكن هناك خصام في الأزهر بين التعليم الديني والدنيوي، فالأزهر كان يدرس به الطب والفلسفة منذ تأسيسه، حيث قاد مسيرة الحضارة منذ أكثر من ألف عام.

من جانبه، أكد الدكتور أحمد سليم، عميد كلية طب الأزهر- بنين، أن خريج الأزهر يتمتع بخلفية المنهج الوسطي إلى جانب خلفيته العملية، مضيفًا أن تأسيس كلية الطب كان هدفه أن يتم تعليم العلوم الدنيوية بجانب العلوم الدينية، وتأكيد الصلة بين الدين والحياة.

 
وفيما يلي نص كلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف

بسم الله الرحمن الرحيم

ــــــــــــ

الأستاذ الدكتور/ إبراهيم الهدهد – رئيس جامعة الأزهر

الأستاذ الدكتور/ عميد كلية طب الأزهر بنين بالقاهرة

الســادة الأساتذة الأجلاء!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وأبدأ كلمتي بتهنئة كلية الطب بجامعة الأزهر وقادتها وأساتذتها والعاملين بها، في عيدها الذهبي الأول وأهنئكم –أيها الأساتذة الأجلاء! -على إنجازاتكم العلمية وخدماتكم الطبية الإنسانية التي قدمتموها ولازلتم تقدمونها للمصريين وغير المصريين، وبخاصة البسطاء والفقراء من شعب مصر، ومنهم من لا يملكون ثمن العلاج، بل منهم من تعجز جيوبهم عن الوفاء بأجرة المواصلات التي تحملهم إلى مستشفيات الأزهر ..

ومن الحق والإنصاف والاعتراف بالفضل لأهله.. أن أسجل أنني سعدت أكثر من مرة، وأنا أسمع من المرضى الفقراء الذين شفاهم الله على أيديكم، ثناء جميلاً عليكم لما لاقَوْه من اهتمام وحسن معاملة في مستشفيات الأزهر، سواء على مستوى الخدمات الطبية والعلاجية، أو مستوى الخدمات الإدارية والمعاملة الإنسانية… وهذه «شهادة»  أسجلها في بداية كلمتي هذه شكرًا لمهارتكم العلمية الممزوجة بإنسانيتكم وأخلاقكم المهنية العالية، وثناءً عاطرًا على أريحيتكم الكريمة في معاملة المرضى ورعايتهم في مستشفياتكم، رغم ما نعلمه جميعًا من قصور ونقص في بعض التجهيزات، وما يبذله الأساتذة ومساعدوهم من مجهود إضافي مرهق، لتعويض هذا النقص ولتفادي ما قد يترتب  عليه من آثار تنعكس سلباً على تقديم الخدمة الطبية للمرضى كما ينبغي ..

فهذا هو ما تمليه عليكم مهنتكم التي هي ألصق المهن قاطبة بعالم الضمير وأمهات القيم والفضائل والأخلاق، وهذا ما نعرفه من وظيفة الطب في التاريخ القديم والحديث حتى كان الطب عند القدماء المصريين قاصرًا على طبقة الكهان بحسبانهم الطبقة العليا في المجتمع، وأصحاب الحكم النافذ والكلمة المسموعة لدى أكبر الفراعنة، وقد ربط أبو الطب أبو قراط بين محبة الطب ومحبة الإنسانية، وجعل منهما وجهين لعملة واحدة، قال: «لا يكون طبيبًا من لا يحب الناس»، وقد روى عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قوله : صنفان لا غنى عنهما للناس: العلماء لأديانهم والأطباء لأبدانهم، ويزيد فضل الطبيب بأن عنده أعزّ شيء لدى الإنسان وهو الصحة، بل الحياة ، وأنه مهما دفعنا لطبيب أتعابه فلا نزال ندين له بالكثير.

ومن المؤسف أن هذا القول الجميل تحــول فيما بعد إلى تصوير كل من المعلم والطبيب في صورة الناصح الذي لا يسـدي نصحه إلا بمقابل .. وحفظنا في ذلك قول الشاعــر:

إنَّ الْمُعَلِّـــــمَ وَالطَّبِيــــبَ، كِلَاهُمَــــا.. لَا يَنْصَحَـــانِ إذَا هُمَـــا لَــمْ يُكْرَمَــا

..                 ..                 ..

لكن لا تزال مهنة الطب – رغم ذلك-تزداد شرفًا وعلوًا بفضل محوريتها في حياة الإنسان وجسمه وعقله، حتى قالوا: «إن الطبيب إذا دَعى لولادة امرأة يكون له الحق – في الأحوال العسرة – في الانتخاب بين حياة الطفل أو الأم، حسب ما يترآءى لذمته وعلمه، فله أن يفضل إنقاذ الأم وإعدام الطفل، كما أن له أحيانًا حق إجراء العكس، أي إنقاذ الطفل فقط إن كانت أمه في حالة يأس لا يُرجى لها من نجاة»  

والطبيب هو الذي يعلن الحياة ويعلن الموت، وهذه السلطة لا توجد في يد أحد سوى الطبيب.

والذي يقرأ تراث العرب المسلمين في مهنة الطب يدهش كثيرًا من هذه العناية الفائقة التي أحاطوا بها وظيفة الطبيب بحثًا وتأصيلًا وشروطًا، وآدابًا وتحذيرًا، لا أكون مبالغًا لو قلت: إنني لم أعثر على مثلها وهم يتحدثون عن المهن الأخرى، كالخطابة والقضاء وآداب العالم والمتعلم والفنون الأخرى، على كثرتها وكثرة ما قالوه فيها وفي أصحابها، وكمثال واحد أكتفي به لضيق الوقت فإن كتاب أدب الطبيب لإسحاق الرهاوي، الذي ألَّفه قبل ألف ومائة عام أفرد أبحاثًا مطولة عن شرف صناعة الطب، وبيان شروطها بيانًا دقيقًا عجيبًا، ومن هذه الشروط ما يتعلق بالخَلْق ومنها ما يتعلق بالخُلق ، وأن من الشروط الخلقية للطبيب أن يكون حسن الوجه جيد الصحة سليم الجسد  نظيف الثوب… إلخ هذه الأوصاف الظاهرة، أما ما يتعلق بالخُلق فحدث ولا حرج، فلقد أفاض علماؤنا في بيان شروط الطبيب الخُلقية وفي مقدمتها: الرحمة بالمرضى وبخاصة: الفقراء، والصبرُ على المريض وحسن الاستماع له حتى آخر كلمة من كلامه، وقالوا: «مهما كان كلام المريض مطولًا فلا يخلو من فائدة، ورب لفظ واحد سهَّل على الطبيب الوصول إلى معرفة حقيقة المرض وتعيين الدواء المناسب»، وقالوا: «يجب على الطبيب أن يمد يد المساعدة للمرضى الفقراء، وإلَّا كان مهملًا في وظيفته غير جدير بمنزلتها السامية».

..                 ..                 ..

وإني لأقترح عليكم أيها الأساتذة الأجلاء في هذا المقام أن تتعرفوا على الآثار التي يزخر بها تراثنا في آداب مهنة الطب ليُصاغ منها مقرر يُعنون بعنوان: أدب الطبيب، أو واجبات الطبيب  ويُدرس لأبنائنا في كليات طب الأزهر ليعمّق في وجدانهم أهمية هذه القيم التي بدأت تتآكل وتضمحل، وتتخطاها أنماط حياتنا المعاصرة، وأرجوا ألا تستغربوا هذا الكلام وتقولوا: إن الزمن غير الزمن، فلقد لمست بنفسي أن كثيرًا مما قرأته عن آداب الطبيب وجدته واقعًا متجسدًا في مستشفيات أوروبا، بل في مستشفيات الخليج، وبصـورة أثارت تطلعي إلى أن ينعم  مرضانا بمثـــل هـذه المعاملــــة الإنسانية الراقية.. والأمــــل – بعد الله تعالى – معقود عليكم جميعًا في أن تبعثوا هذا الأمل في المستشفى التخصصي الجديد لتقديم هذه الخدمة الطبية التي حُرم منها المرضى الفقراء في مستشفياتنا، وإنكم لقادرون على تحقيق هذا الأمل إن أردتم، وخلصت النوايا، وصدقت العزائم. واسمحوا لي أن أصارحكم قبل أن أنهي، بأنني بذلت ولا زلت أبذل أقصى ما في طاقتي من أجل أن يُصبح هذا المستشفى أنموذجًا مشرّفًا وصرحًا متفردًا، يباهي به الأزهر وجامعته مستشفيات المنطقة، إلا أنه كنت أشعر أنني أسبح بمفردي ضد تيارات عاتية.. وهذه ليست كلمة عقاب بقدر ما هي نداء لحضراتكم ولكل طبيب أزهري أن يتحمل مسؤوليته في هذا الصرح الواعد أمام الله وأمام الضمير وأمام التاريخ..

وأرجو ألا يكون ندائي هذا نداء سابح تعب من مغالبة الأمواج.  

شُــــــــــكرًا لكـــــــم 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛؛؛