الثلاثاء, 18 يونيو , 2019 8:01 ص
الرئيسية / مقالات / ماذا لو ان الشمس غير موجودة

ماذا لو ان الشمس غير موجودة

لطالما نعامل وجودنا في الحياة على أنه من المسلمات، الشمس تشرق والقمر يقمر والسماء تصفو وتغيم وتمطر والأرض تزهر أو تقفر، والحياة تحيا بالكبد والأمل والبشر أقوى الكائنات وأضعفها، والوجود ينتهي بالموت والملوخية لا تؤكل إلا بعد طشة مصحوبة بشهقة، والعروس لا يمكنها الزواج بلا شبكة، والقرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود، والأسد ملك الغابة، والفتاة المهذبة لا تحب المكياج.

فماذا لو أن كل ذلك وهم كبير، وأننا نحيا في عالم خيالي نسج لنا أو نسجته عقولنا واقنعتنا به، وكأننا في الـ “ماتريكس” وتستعبدنا التكنولوجيا والألات في كبسولات تسيطر فيها على عقولنا وتوهمنا أننا نعيش، أو ماذا لو كنا أموات بالفعل وكل ما نمر به مما نعتقده حياة قد حدث في الماضي ويعاد كشريط الكاسيت بحجم أعمارنا مرة بعد مرة الى قيام الساعة، أو ماذا لو أن الفراعنة حاربوا الكائنات الفضائية فدمروا الشمس التي قدسها أجدادنا واستبدلوها بآلة مشابهة بها ولكنها بدلا من أن تلهمنا الحياة تلهمنا الدمار والحروب لنقتل أنفسنا بأنفسنا، ربما ستعتبر كلماتي فانتازيا لا هدف منها، كحال اعتقادك نحو أفلام الخيال العلمي التي نشاهدها بانبهار ثم نعود لنستكمل حياتنا بروتينها الممل، أو كحال ظنك بكل من يخالفك الرأي أو بمن يملك أفكار مختلفة أو غير مألوفة.

وهنا علينا أن نتذكر ونتسائل، ماذا لو أن إبراهيم اتبع أهله والناس في بلاده وأجداده الذين عبدوا جميعا الأصنام؟ ماذا لو لم يعارض والده الذي غضب عليه وهدده؟ ماذا لو أنه سار خلف القطيع دون أن يتشكك أو يُكون إرادة مستقلة لها الحق في البحث عن الحقيقة، ماذا لو أنه لم يبحث عن الخالق، مرة يظنه الشمس ومرة يظنه القمر الى أن هداه الله إليه، لقد كان الله قادرا على أن يهديه بلا عناء، بل أن سيدنا إبراهيم وأبو الانبياء أختلف عن غالبية الانبياء والرسل في أن قصته مع ربه بدأت بإعمال العقل ليستحق هذا اللقب رمزا وحقيقة، فماذا فعلوا الناس معه، نبذوه وآذوه حتى ألقوه في النار، وسيدنا نوح اتهموه بالجنون وكانت زوجته وابنه من الكافرين، والنبي لوط وحتى حببيب الله نبينا محمد إلخ.

وكذلك كل المخترعين والفلاسفة الأوائل وعباقرة النظريات العلمية القديمة، سخر الناس من العالم الذي أكتشف أن الأرض كروية واتهموه بالجنون والأخوين رايت اللذين أخبرا الناس أن بإمكانهم صنع مجسم يشبه الطيور بجناحين يمكنه الطيران فسخر الناس منهم، أو جوردانو برونو الذي سجن وقطع لسانه وأحرق حيا بعد أن قال أن النظام الشمسي واحد من أنظمة مماثلة في الكون الواسع، وكريستوفر كلومبس وجاليليوجاليلي، وغيرهم الكثير، الذين حاربوا رفض الاختلاف، فمن طمس الله على قلبه ووعده بعمى القلب يجعل في قلبه رفضا تاما لأى إختلاف وخاصة لو كان على حق ويملك البينة، لأن الاختلاف المبني على الحق يهدد عرش هؤلاء العميان أمام انفسهم التي يضخمونها ويعظمونها حد العبادة دون أن يدروا.

وأحب أن أضم الي الأمثلة السابقة الفيلسوف الرائع مصطفى محمود، الذي أعتبره مثلي الأعلى في هذا الأمر، هذا الشخص الغير تقليدي، الذي دفعه عقله للتشكك فدفعه التشكك للبحث فدفعه البحث لليقين، فوصل ومن هذا المنطلق نعرف أنه لا يتميز إلا المختلفون الذين لا يتبعون السرب ويفضلون التغريد خارجة.

إنني احترم كثيرا هؤلاء المتشككين الذين لا يؤمنون بالمسلمات الموروثة أو المنقولة، ويبحثون عن مسلماتهم الخاصة ويعرفون الهدف الحقيقي من نعمة العقل التي ميزهم بها الله وكيف يشكروه عليها، بل ونعمة الإرادة والإختيار الحر الذين سيحاسبون عليه أمام الله، إنهم العباقرة المخلصون، لذلك فالخيال الجزء الأهم لبلوغ العبقرية، لانه يفتح باب الاحتمالات لكل فكرة، إذا فالمتشككون العباقرة خياليون لهم إرادة حرة خاصة بهم.

إن اؤلائك الباحثون يعرفون متعة البحث ومتعة الوصول للنتيجة لذلك هم أول من يعترف بالخطأ عند أكتشافه دون مكابرة وأول من يصححه بكل ما لديهم من قوة لأن هدفهم أسمى من إثبات فكرة ما، إنهم القادرون على صنع المعجزات فلا خوف لديهم طالما أنعم الله عليهم باليقين المرتكن على قوة حقيقة.

لذلك، لا أحترم اولائك المعارضون بلا هدف بغرض الإختلاف فقط على مبدأ “خالف تعرف” أو أولائك المولعون بإثبات صحة أرائهم وأفكارهم فقط كنوع من المجد الشخصي، وإنما الباحثون عن لب الحقيقة وأصلها بإخلاص إينما كانت وكيفما تعسرت ومهما خسروا ولو اختلف عليها أهل الأرض أو رفضوها وحاربوها، لأن الباحث تؤرقه المشكلة والبحث لها عن حل جزري يريح قلبه ويوصله لبر اليقين وكأنه علاج البتر لأي مشكلة بدلا من تجربة عدة طرق ينصحك بها الأخرون عبثا قد تفلح أوغالبا تفشل لأنها بلا منهج.

إن هؤلاء الزومبي السائرون بعماء والتاركون الأخرين ليسوقوهم حيثما يريدوا يفتقدون للذة الوصول للحق وقوة التمسك به واليقين والارتكان بطمئنينة إليه، إنهم لا يدركون المستراح من عذابات التخبط بين سؤال الضمير المؤرق (صح أم خطأ) وبالتالي فإن الباحثون عن الحق الصادقون مع ذواتهم يتمتعون بالنظر في المرآة بسعادة وابتسامة ثابته هادئة مستقرة السريرة لأنهم لا يحتاجون لخداع أنفسهم والكذب على ضمائرهم بحجج واهية وقناعات يعرفون في قرارة أنفسهم المدى البشع لزيفها بعد أن استعاروها من الأخرين كما استعاروا منطقها أولا.

هل تعرف من هم الضحايا الأوائل لتلك التبعية العمياء، إنهم المتطرفون الإرهابيون الإنتحاريون، نعم إنهم ضحايا، فالتطرف الفكري الذي لا يقتصر على الدين وحده، يتبع منهج واحد، وهو العماء وإلغاء العقل “لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي”، وعلى الرغم من تحمل متبوعيهم لذنوب تابعيهم لما تسببوا فيه من تسمم لتلك العقول كانت أداة لظلم الغير أو أذيته، إلا أن تابعيهم أصحاب الذنب الأكبر لأنهم آثروا أن لا يتبعوا عقولهم وأن يستسهلوا وجبات الافكار الجاهزة ورغم الثمن الفادح الذي يدفعونه من أعمارهم أو دمائهم أو الجنة التي غالبا يخسروها في النهاية، إلا أنهم لم يكونوا مخلصين في البحث عن الطريق لله حقا، هل تعتقد أنك أفضل من هؤلاء.. إسأل نفسك أولا من تتبع ومن أين تكتسب منهجك في الحياة، عقلك أم أشياء أخرى؟