السبت, 19 أكتوبر , 2019 11:19 م
الرئيسية / تحقيقات وملفات / فى ذكرى ميلاده الـ88.. مواقف كوميدية فى حياة الطيار حسنى مبارك

فى ذكرى ميلاده الـ88.. مواقف كوميدية فى حياة الطيار حسنى مبارك

 

كتب : محمود عطية

فى يوم من الأيام، ذهب السيد محمد مبارك، والد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، إلى عبدالغفار باشا، حكمدار المنوفية، فى أربعينيات القرن الماضى، وكان يعمل “باش كاتب” فى دائرته، وقال له: “الواد هيتجنن.. عايز يدخل مدرسة الطيران”، وكان مبارك آنذاك بطل القُطر فى الهوكى، فرد الباشا عليه قائلا: “صعب.. هحاول أدخله المدرسة الحربية، وبعدين هما بيطلبوا ناس من الخريجين لمدرسة الطيران”.

وبالفعل فى عام 1947، دخل مبارك المدرسة الحربية، وفى عام 1949 طُلب لمدرسة الطيران دفعة جديدة من خريجى الحربية، وكان من ضمنها حسنى مبارك، ودرس فيها لمدة 6 أشهر، ثم تخرج فى الدفعة رقم “1 طيران” ضمن سلاح الطائرات قاذفة القنابل، وبعده بأيام تم توزيع مبارك، وكان قائده المباشر، فى ذلك الوقت، قائد أسراب حامد عبدالغفار ابن عبدالغفار باشا، الذى أدخل مبارك مدرسة الحربية، وبدأ تدريبه وتعليمه على التعامل مع قاذفات القنابل الإنجليزية.

وفى عام 1957 قررت مصر شراء أسلحة من الكتلة الشرقية “الاتحاد السوفيتى- بولندا- المجر- تشيكوسلوفاكيا”، حيث تم شراء طائرات من نوع “ميج 15، و17، و19″، بالإضافة إلى قاذفة القنابل الروسية الشهيرة “إل 28″، وطائرة “إل 14″ والتى كانت تسمى بـ”البطة الطائرة” نظرا لثقلها.

وكان حامد عبدالغفار، قائد مبارك المباشر، هو من سافر إلى روسيا لشراء 3 طائرات من نوع “إل 28″، لخبرته فى الطيران، وللتدريب عليها قبل شرائها، وبلغ ثمن كل طائرة نحو مليونى جنيه، وتم شراؤها من روسيا مقابل تصدير إنتاج مصر من البطاطس والقطن والبصل لمدة 3 سنوات.

وفى شتاء 1957، وبالتحديد فى مطار غرب القاهرة، كانت المناورة الجوية “انتصار”.. الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وجميع ضباط مجلس قيادة الثورة، بما فيهم الطيارون القدامى، عبداللطيف البغدادى، وحسن إبراهيم، وجمال سالم، وعلى بليغ صبرى “كان رئيس وزراء مصر فى عهد عبدالناصر”، حضروا جميعا المناورة التى وصفت بالصعبة لأنها كانت ليلية وبالذخيرة الحية.

وبالفعل بدأت المناورة، وخرجت الطائرات الثلاثة من قاعدة غرب القاهرة، التى سميت فيما بعد باسم الشهيد حامد عبدالغفار، وعليها 6 طيارين، و6 ملاحين، و6 مدفعجية، وكان النقيب طيار حسنى مبارك مريضا، عنده إسهال، وهو بذلك لا يصلح للطيران، وتقرر أن يكون مسؤولا عن إدارة برج المراقبة فى القاعدة، ومعه اثنان من المساعدين.

ولظروف مبارك المرضية، ترك البرج فجأة يديره المساعدان، وذهب مسرعا إلى الحمام، وللمصادفة ونتيجة لخطأ فنى حدث تصادم بين طائرتين، واستشهد من فيهما، ومنهم حامد عبدالغفار قائد مبارك المباشر.

الطريف فى الواقعة أن مبارك ظن لفترة أنه سيحاكم بسببب ذلك، لكن المفاجأة أنه عقب التحقيق فى الحادث تمت تبرئة مبارك لظروفه المرضية، بل ورقّى استثنائيا لتغطية عجز الطيارين فى القاعدة.

فى عام 1959 حضر مبارك، حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الطيران، وتعرف على الملازم سمير عبد الغفار، نجل اللواء شرطة أحمد عبدالغفار “1938-1966″، شقيق قائد أسراب حامد عبدالغفار، قائد مبارك المباشر، والذى استشهد فى حادث تصادم طائرتين خلال مناورة ليلية، كما ذكرنا فى مقالة سابقة.

والملازم سمير كان طيارا، تخصص قاذفات قنابل، وكان يقود الطائرة روسية الصنع “إل 28″، من نفس طراز الطائرة التى كان يقودها عمه حامد عبدالغفار، قائد مبارك المباشر.

وفى عام 1962 كانت بداية “حرب اليمن”، أو ثورة 26 سبتمبر أو حرب شمال اليمن الأهلية، وهى ثورة قامت ضد المملكة المتوكلية اليمنية في شمال اليمن عام 1962، وقامت خلالها حرب أهلية بين الموالين للمملكة المتوكلية وبين المواليين للجمهوريّة العربية اليمنية واستمرت الحرب 8 سنوات “1962 – 1970″، وقد سيطرت الفصائل الجمهورية على الحكم في نهاية الحرب وانتهت المملكة وقامت الجمهورية العربية اليمنية.

بدأت الحرب عقب انقلاب المشير عبد الله السلال على الإمام محمد البدر حميد الدين وإعلانه قيام الجمهورية في اليمن، وهرب الإمام إلى السعودية وبدأ بالثورة المضادة من هناك.

تلقى الإمام البدر وأنصاره الدعم من السعودية والأردن وبريطانيا وتلقى الجمهوريون الدعم من مصر جمال عبد الناصر، وقد جرت معارك الحرب الضارية في المدن والأماكن الريفية، وشارك فيها أفراد أجانب غير نظاميين فضلاً عن الجيوش التقليدية النظامية.

واحتاجت قواتنا المسلحة، المشاركة فى تلك الحرب، دعما من الطيران الحربى لقذف مواقع من أُطلق عليهم “المتسللين”، الذين كانوا يصعب الوصول إليهم فى الجبال.

وكان مبارك أقدم طيار قاذفات قنابل فى مصر، آنذاك، فشارك فى هذه الحرب، وكان يقوم بطلعات جوية من مطار ألماظة ومطار بنى سويف، وللحقيقة كان مبارك ماهرا فى تلك الطلعات، فكان يقوم بعمل ما يسميه العسكريون “وان شوت”، يصل إلى أحد مواقع “المتسللين” وضربه والعودة دون هبوط، حتى لا يتم تصويره أو استهدافه من القناصة.

وفى عام 1963 صدرت الأوامر إلى مبارك بالسفر إلى الاتحاد السوفيتى للحصول على ماجستير أركان حرب من أكاديمية “فورنز العسكرية” فى موسكو، لمدة عامين، باعتباره من أقدم الطيارين الموجودين فى مصر فى ذلك الوقت، فقام مبارك بتنفيذ الأوامر، ورشح سمير عبدالغفار وعدد من زملائه، للقيام بمهمته فى حرب اليمن، وبالفعل استدعى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر سمير ورفاقه، وكان نقيبا فى ذلك الوقت، وسأله ناصر هذا السؤال: “انت أد المهمة دى؟”، فظهر على سمير التردد، فأمر عبدالناصر بتغييرهم والتعاقد مع مجموعة من قدامى الطيارين فى الاتحاد السوفيتى، وإعطائهم أجر نظير تنفيذ تلك المهمة “حرب اليمن”.

وبالفعل تم التعاقد مع ثمانية من عتاة الطيران الروسى، وحضروا إلى القاهرة، وأقاموا فى الهيلتون، واشترطوا أن يقوم اثنان فقط منهم بطلعة واحدة فى كل مرة، وليس جميعهم، وفى إحدى الطلعات، وكان هناك اجتماع منعقد بصورة دائمة بين عبدالناصر وقيادات القوات الجوية، برئاسة صدقى محمود، أرسل الطيار الروسى إشارة مفاداها أنه يرى عددا كبيرا من “المتسللين” يصل إلى 100 ألف مقاتل، فٌطلب منه أن ينخفض بطائرته قليلا للتأكد من ذلك، وبالفعل انخفض بطائرته وأكد وجود عدد كبير منهم، وأن جميعهم يرتدون الملابس البيضاء، وأنه مستعد لقذفهم بالقنابل، فتم سريعا إبلاغه الأمر التالى: ” أنت طائر فوق الكعبة، وهذه منطقة محرمة، وانسحب فورا، وارمى شحنة المتفجرات فى البحر الأحمر”.

وفى اليوم التالى أمر جمال عبدالناصر بإرجاع الطيارين الروس إلى بلادهم، وتكليف سمير عبدالغفار ورفاقه بالمهمة مهما كان الثمن، وسريعا بدأ سمير ورفاقه المشاركة فى حرب اليمن، وذات يوم وصلت استغاثة لاسلكية إلى قيادة القوات المسلحة، بتعرض كتيبة صاعقة مصرية لمذبحة على يد “المتسللين”، فأٌمُر سمير، وكان يقود طائرة من طراز “إل 28″، بالهبوط لارتفاع يسمح باستخدام الرشاشات، وبالفعل هبط بطائرته وبدأ فى التعامل مع “المتسللين”، وفى هذه اللحظة أطلق قناص يمنى طلقة استقرت فى رأس سمير، وانفجرت الطائرة.

 

ولعل الكثيرين لايعرفون أن سمير هو حفيد الفنانة الراحلة دولت أبيض، وأُقيمت له جنازة عسكرية كبرى من مسجد السلطان حسين كامل فى مصر الجديدة، لتفقد عائلة عبدالغفار باشا، حكمدار المنوفية فى أربعينيات القرن الماضى، الذى أدخل مبارك المدرسة الحربية، شهيدا جديدا من خيرة شبابها.

مبارك.jpg2